عين القضاة

30

شرح كلمات بابا طاهر العريان

المختار ، لصدوره عن العلم المحيط بكلّ شيء ، والرحمة التي وسعت كلّ شيء . وقال : ( حقيقة المعرفة : العجز عن المعرفة ) . أقول : العبد ما دام محجوبا بنفسه عن عوالم قدرة اللّه وحكمته ، وعجائب ملكه وملكوته وعظمته وسلطانه وجبروته ، تتراءى له معرفة اللّه ، والاطّلاع على دقائق صنعه ، وحقائق إبداعه ، أمر يتمكن منه ، حتى إذا انكشف الغطاء ، وظهرت له طلائع المعرفة ، وعلم عجزه عن الاطّلاع على كنهها ، وأنّها ليست مقدورة لأحد من الخلائق ، كانت رؤية هذا العجز حقيقة المعرفة ، وهذا معنى ما قيل : العجز عن درك الإدراك إدراك . وقال : ( المعرفة تصحيح اليأس عن المعرفة ) . أقول : يفصح عن هذا المعنى بعبارة أخرى ؛ لأنّ تصحيح اليأس عن المعرفة برؤية العجز عنها . وقال : ( أوّل المعرفة تصحيح الاسم ، وأوسطها إثبات الصّفة من حيث الموصوف ، وآخرها الجهل بحقائقها ) . أقول : اعلم أنّ للمعرفة بداية ، ووسطا ، ونهاية ؛ فبدايتها معرفة استدلالية ، بالأثر على المؤثر ، وبالصنع على الصانع ، كما مرّ ذكره ، وهي معرفة العوام ، لا تصحّ إلّا باسم ؛ لأنّها رسم المعرفة لا حقيقتها ، ووسطها معرفة شهودية ، تحصل بمشاهدة المعروف ، وهي معرفة الخواصّ ، ويصحّ بالحقيقة إثباتها للموصوف بها ، بخلاف المعرفة الأولى ؛ لأنّها لا يصحّ إثباتها للموصوف بالحقيقة ، بل بالاسم والرسم ، ونهايتها معرفة اتّصالية ، تحصل باتّصال العارف بالمعروف ؛ لفنائه فيه ، وهي معرفة أخصّ الخواصّ ، يعلم العارف منها أنّ حقائقه - كما هي - لا تدرك ، ولا يحيط بها إلّا العليم الأزلي القديم . قال : ( « كان اللّه ولا شيء معه » « 1 » ، فوجود الخلق بين حالين : دلائل ،

--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2011 ) [ 2 / 171 ] ؛ والهروي في المصنوع [ 1 / 219 ] .